محمد عبد الله دراز

101

دستور الأخلاق في القرآن

الرّاهنة لشعوره ، وهي ضرورة تجعل من العصيان أمرا مقيتا ، ومستهجنا . ولسوف نرى « 1 » في أي صورة ساق القرآن هذه الضّرورة الّتي يسميها : أمرا [ Impe ? ratif ] ، وكتابة [ Prescription ] ، وفريضة [ Devoir ] . فإذا ما عرفنا مبدأ الإلزام ، وطرحناه على هذا الوجه - وجب علينا الآن أن نتغلغل أكثر ، في معرفة طبيعته ، دارسين مصادره ، وخصائصه ، ومناقضاته . 1 - مصادر الإلزام الأخلاقي : استطاع الفيلسوف الفرنسي هنري برجسون ، في تحليله العميق لقضية الإلزام الأخلاقي أن يكشف له عن مصدرين : أحدهما : قوة الضّغط الاجتماعي ، والآخر : قوة الجذب ذي الرّحابة الإنسانية المستمدة من العون الإلهي ، وهي قوة أوسع مدى من سابقتها . وقد فسر ذلك قائلا : إننا نؤدي الدّور الّذي عينه لنا المجتمع ، ونتبع الطّريق الّتي رسمها لنا ، ثمّ نسلم قيادنا لهذه الطّريق ، نترسمها كلّ يوم ، بنوع من العادة لا يكاد يخالطه تفكير ، أشبه شيء بغريزة النّحلة ، أو النّملة . وذلكم هو ما يسمى عادة : بالوفاء بالواجب . ولو أننا قاومنا ذلك لحظة ، أو حاولنا أن نعدل من سيره فإننا لا نلبث أن نرتد إليه ، شئنا أو أبينا ، بفضل تلك القوة القاهرة للحياة الجماعية . هذا الدّور يختلف اختلافا كاملا في وجهه الآخر ، فعلى حين أنّ أخلاق الكافة أثر ناشئ عن نوع من القهر الجماعي ، نجد أنّ أخلاق الممتازين منهم

--> ( 1 ) انظر ، فيما بعد ، في نفس الفصل - الفقرة الثّانية .